الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

395

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

وقد نزل في منزله في ذلك الوقت اتفاقا جمع من أحبابه وكان معهم غلام مشهور في البلد بغاية الحسن والجمال مع أبيه ، وقد أكلوا الطعام ورفعوا السفرة قبل قدوم حضرة الشيخ . وكانت فيهم داعية تفرج خيابان ، ولما رأى المخلص المذكور حضرة الشيخ وقع على قدمه وأظهر له التواضع فوق الحد والغاية حتى تحير منه الضيوف وتعجبوا . فإنهم كانوا لا يعرفون حضرة الشيخ ولكن كان كلهم متوجهين إليه موافقة لصاحب المنزل ، إلا هذا الغلام ، فإنه لم يقم من مقامه ولم يلتفت إليه أصلا . قال ذلك المخلص : ولما استقر حضرة شيخنا جالسا جئت عنده وقعدت على ركبتي وقلت : قد فرغ الأصحاب من الطعام حالا والنار في الكانون فكل طعام لم يرغب فيه خاطرك وتشتهيه نطبخه . ولما كان في هذا الغلام هوس التفرج والتنزه وكان مقصودي أن أرافقهم قال منخلعا عن الأدب قبل أن يقول حضرة الشيخ : لا ، ونعم : قدم إلى هذا الرجل الغريب ما حضر من الطعام فإنه قد فات وقته ولا مجال لأحد الن للطبخ . ولما شاهد حضرة الشيخ تكبره وتيهه أولا ، ثم سمع منه هذا الكلام ثانيا ، قال خفية بحيث أسمعه : يا غلام ما غرك بحسنك ؟ فإن لم أسود وجهك في هذه الصحبة فوباله عليّ . ثم قال بصوت عال : جئت من قطر بعيد جائعا وأرغب في مرقة حارة . فقمت في الحال وهيأت مقدارا من اللحم والأرز والحمص وسائر مصالح الطبخ ، وسكت حضرة شيخنا في ذلك الأثناء لحظة وجعل قلب هذا الغلام منجذبا إلى جانبه . فرأيته قد قام من مكانه بكمال الاضطراب وجاء عند حضرة الشيخ واستأذن للطبخ ، فقال له حضرة الشيخ : لا مانع من ذلك . فجاء الكانون ورفع كميه وتشمر وأقامني من جنب الكانون وقعد واشتغل بإيقاد النار وسال العرق من جبينه ووجهه من حرارة النار ، ومسح وجهه بيده مرارا وقد اسودت يده بسواد الفحم ، فاسود وجهه وجبينه منها ، ولما رآه أبوه وأصحابه نبهوه بذلك وقالوا : اغسل وجهك ، فقال لهم على وجه الظرافة : النور في السواد . وحلف أن لا يغسلها حتى يضع الطعام أمام حضرة الشيخ . ولما جاء به عنده وتناول منه حضرة الشيخ ، قام وذهب وغسل يديه ووجهه وتوضأ وضوءا كاملا ثم جاء عند حضرة الشيخ وجلس بالأدب التام وأكل معه من ذلك الطعام ، وظهرت فيه محبة عظيمة لحضرة الشيخ . وما دام في هراة لم يفارقه ولم يترك ملازمته وكان له نظر العناية من حضرة الشيخ أيضا . قال واحد من محبي حضرة شيخنا : إن سبب اتصالي بحضرة الشيخ أني كنت